ابن عربي
581
الفتوحات المكية
هويته بذلك الشئ فلا يصح أن يكون علة لمعلول ولا شرطا لمشروط ولا حقيقة لمحقق ولا دليلا لمدلول ولا سيما وقد قال سبحانه لم يلد مطلقا وما قيد فلو كان حقيقة لولد محققا ولو كان دليلا لولد مدلولا ولو كان علة لولد معلولا ولو كان شرطا لولد مشروطا فهو سبحانه المستند المجهول الذي لا تدركه العقول ولا تفصل إجماله الفصول فهذا أيضا وجه من وجوه تنزيه التوحيد وأما ما يتعلق بالواحد والأحد من التوحيد في أحديته فإن لفظ الأحدية جاءت ثابتة الإطلاق على من سواه فقال ولا يشرك بعبادة ربه أحدا وإن كان المفهوم منه بالنظر إلى تفسير المعاني على طريق أهل الله أنه لا يعبد من حيث أحديته لأن الأحدية تنافي وجود العابد فكأنه يقول لا يعبد إلا الرب من حيث ربوبيته فإن الرب أوجدك فتعلق به وتذلل له ولا تشرك الأحدية مع الربوبية في العبادة فتتذلل لها كما تتذلل للربوبية فإن الأحدية لا تعرفك ولا تقبلك فيكون تعبد في غير معبد وتطمع في غير مطمع وتعمل في غير معمل وهي عبادة الجاهل فنفى عبادة العابدين من التعلق بالأحدية فإن الأحدية لا ثبت إلا لله مطلقا وأما ما سوى الله فلا أحدية له مطلقا فهذا هو المفهوم من هذه الآية عندنا من حيث طريقنا في تفسير القرآن ويأخذ أهل الرسوم من ذلك قسطهم أيضا تفسيرا للمعنى فيحملون الأحد المذكور على ما اتخذوه من الشركاء وهو تفسير صحيح أيضا فالقرآن هو البحر الذي لا ساحل له إذ كان المنسوب إليه يقصد به جميع ما يطلبه الكلام من المعاني بخلاف كلام المخلوقين وإذا علمت هذا علمت المراد بقوله جل ثناؤه لنبيه عليه السلام قل هو الله أحد أي لا يشارك في هذه الصفة وأما الواحد فإنا نظرنا في القرآن هل أطلقه على غيره كما أطلق الأحدية فلم أجده وما أنا منه على يقين فإن كان لم يطلقه فهو أخص من الأحدية ويكون اسما للذات علما لا يكون صفة كالأحدية فإن الصفة محل الاشتراك ولهذا أطلقت لأحدية على كل ما سوى الله في القرآن ولا يعتبر كلام الناس واصطلاحهم وإنما ينظر ما ورد في القرآن الذي هو كلام الله فإن وجد في كلام الله لفظ الواحد كان حكمه حكم لأحدية للاشتراك اللفظي فيه وإن كان لا يوجد في كلام الله لفظ الواحد يطلق على الغير فيلحقه بخصائص ما تستحقه الذات ويكون كالاسم الله الذي لم يتسم به أحد سواه ومما يتعلق بهذا المنزل من التنزيه الخاص به ما يحصل من المعارف التي ذكرناها في كتاب مواقع النجوم في التجلي الصمداني ولا نريد بذلك ما أراد العارف أبو عبد الله البستي في كتابه الذي جعله في عبد الرب وعبد الصمد فإن الصمد الذي نريده لا يضاف ولا يضاف إليه فإن المتضايفين لا بد أن يكون لهما بينية فيكون بينهما نسبة رابطة بها يصح أن تكون الإضافة محققة لهما فالصمد الذي أراده البستي بعبد الصمد هو الذي يلجأ إليه ويتعلق به ويقابل بالتوجه ولهذا نهت الشريعة للمصلي إذا استتر بأصطوانة أو عصا أو مؤخرة رحل أو ما هو مثلها أن يصمد إليها صمدا ولكن ينحرف عنها قليلا يمينا أو شمالا وليس من أوصاف التنزيه من يصمد إليه ولكنه من أوصاف الكرم فالصمدية المطلقة عن هذا التقييد هي التي تستحق أن تكون صفة تنزيه إذ لا تعلق للكون بها وهي المطلوبة في هذا المنزل وشرحها في اللغة مذكور واعلم أن هذا المنزل وإن كان يطلب الأحدية والتنزيه من جميع الوجوه فإنه يظهر في الكشف الصوري المقيد بالظاهر كالبيت القائم على خمسة أعمدة عليها سقف مرفوع محيط به حيطان لا باب فيها مفتوح فليس لأحد فيه دخول بوجه من الوجوه لكن خارج البيت عمود قائم ملصق إلى حائط البيت يتمسح به أهل الكشف كما يقبلون ويتمسحون بالحجر الأسود الذي جعله الله خارج البيت وجعله يمينا له وأضافه إليه لا إلى البيت كذلك هذا العمود لا يضاف إلى هذا المنزل وإن كان منه إلا أنه ليس هو خاصا به فإنه موجود في كل منزل إلهي وكأنه ترجمان بيننا وبين ما تعطيه المنازل من المعارف وقد نبه على ذلك ابن مسرة الجبلي في كتاب الحروف له وهذا العمود له لسان فصيح يعبر لنا عما تحويه المنازل فنستفيد منه علم ذلك ومن المنازل ما ندخل فيه ونمشي في زواياه فنجد الأمر على حد ما عرفناه فيه ومن المنازل ما لا سبيل لنا إلى الدخول فيه مثل هذا المنزل فنأخذ من هذا العمود التعريف بحكم التسليم فإنه قد قام الدليل لنا على عصمته فيما يخاطبنا به في عالم الكشف كالرسول في عالم الحس فهو لسان حق ومن الناس من يلحقه بأعمدة البيت فإن بعض الحائط عليه ولا يظهر لنا منه إلا وجه واحد وسائره مستور في الحائط فيقول بعض المكاشفين إن البيت قائم على ستة أعمدة فلا تناقض بين مثبتي الخمسة والستة